أبو الليث السمرقندي

254

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ لأنهم هربوا حيث سمعوا بقتله ، فقال تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ كسائر الرسل أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي رجعتم إلى دينكم الشرك . وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى الشرك بعد الإسلام فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً يقول : لن ينتقص من ملكه وسلطانه شيئا ، وإنما يضرّ نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ يعني الموحدين اللّه تعالى في الآخرة الجنة . ويقال : وسيجزي اللّه المؤمنين المجاهدين الجنة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 145 إلى 147 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ قبل أجلها إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا يقول : في موتها كتابا مؤجلا في اللوح ، فلا يسبق أجله . وقال الزجاج : قوله كتابا مؤجلا ، أي كتب كتابا ذا أجل ، وهو الوقت المعلوم ، وذكر الكتاب على معنى التأكيد كقوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ النساء : 24 ] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد . وفي هذه الآية إبطال قول المعتزلة ، لأنهم يقولون : إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله ، وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكا قبل أجله ، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية . وقد بيّن اللّه تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها . وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها قال الكلبي : يعني يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض اللّه عليه نُؤْتِهِ مِنْها يعني أعطاه اللّه ما يحب ، وما له في الآخرة من نصيب وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ في الآخرة . ومن الناس من قال : إن الرياء يدخل في النوافل ، ولا يدخل في الفرائض ، لأن الفرائض واجبة على جميع الناس . وقال بعضهم : يدخل في الفرائض ولا يدخل في النوافل ، لأنه لو لم يأت بها لا يؤاخذ بها ، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه غير ذلك . وقال بعضهم : كلاهما سواء ، فالرياء يدخل في الفرائض والنوافل جميعا . وهذا القول أصح لقوله تعالى : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ [ النساء : 142 ] . ثم إن اللّه تعالى أخبرهم بما لقيت الأنبياء والمؤمنون قبلهم فعزّاهم ليصبروا فقال تعالى